متاهة الثلاثة ملايين وثيقة.. تفكيك شبكة إبستين | سياسة
بعد طبقة الممولين التي مكنت جيفري إبستين من مئات الملايين من الدولارات التي استطاع بها بناء شبكة علاقات هائلة، والشبكة الخاصة التي أدارت أنشطته المشبوهة، يأتي دور شبكة معقدة ومتشعبة من أصحاب النفوذ السياسي داخل وخارج الولايات المتحدة. هذه الشبكة جمعت السياسيين على جانبي الطيف الحزبي والأيديولوجي، فتجد فيها الرئيس الأمريكي المنتمي للحزب الديمقراطي مثل بيل كلينتون كما الرئيس المنتمي للحزب الجمهوري مثل ترمب، كما يظهر فيها المنظرين للقومية الشعبوية مثل ستيف بانون، وناقدي الإمبريالية الأمريكية مثل نعوم تشومسكي.
منحت هذه الشبكة المتشعبة إبستين حصانة واسعة لفترة طويلة، حتى لو لم يثبت تورط جميع أعضائها في الأنشطة الإجرامية. وإذا نظرنا إلى التفاصيل، فإن أول ما يطالعنا هو اسم الأمير البريطاني أندرو، شقيق الملك تشارلز ملك بريطانيا، الذي اتهم بالضلوع في ممارسات مرتبطة باستغلال قاصرات، ما أدى إلى تهميش دوره في العائلة الملكية وتجريده من أدواره وألقابه، واضطره لدفع ملايين الدولارات في تسوية لقضية اتهمته فيها فتاة أمريكية بالاعتداء عليها جنسياً حين كانت في السابعة عشر من عمرها.
وعلى ما يظهر، فإن علاقات إبستين بالطبقة السياسية في بريطانيا كانت كثيفة ومتوغلة. تكشف الوثائق المنشورة مؤخرا عن ارتباط إبستين بأحد أبرز قيادات حزب العمال وهو لورد بيتر ماندلسون، الذي شغل عدداً من المناصب الهامة بداية من وزير التجارة والصناعة في حكومة توني بلير في عام 1998، ومفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون التجارة من 2004 إلى 2008، قبل أن يعود للحكومة البريطانية في 2008 وزيراً للأعمال والابتكار والمهارات، ويحمل لقب “سكرتير الدولة الأول” ما بين عامي 2009 و2010، وهو لقف شرفي عادة ما يمنح لأقدم الوزراء ويجعله بمثابة نائب غير رسمي لرئيس الحكومة.
تتبع تفاصيل العلاقة بين ماندلسون وإبستين ومسار تطورها وكيف استفاد كل منهما من الآخر يعطينا نموذجا للطريقة التي كون بها الرجل شبكته الهائلة وحافظ عليها. شهدت حقبة أواخر التسعينيات من القرن الماضي عودة حزب العمال البريطاني للسلطة بعد 18 عاما من الغياب تحت قيادة توني بلير، وكان مهندس الحزب في تلك الفترة ماندلسون الذي أدار الحملة الإعلامية لبلير عام 1997، واستخدم أساليب حديثة في “صناعة الصورة” والتحكم في الرسائل الإعلامية، مما ساعد بلير على الظهور أمام الجماهير بوصفه قائدا شابا وعصريا.
هذا الدور لم يغب عن جيفري إبستين الذي كان يسعى لاختراق دوائر حزب العمال. ولفعل ذلك، كان إبستين في حاجة لشخص قريب من الطبقة السياسية في لندن، وهنا جاء دور غيلين ماكسويل، ذراع إبستين اليمنى. فبصفتها ابنة إمبراطور الإعلام البريطاني روبرت ماكسويل، كانت غيلين تمتلك علاقات عميقة في الطبقة السياسية والاجتماعية البريطانية، ولا عجب إذن أن الوثائق المفرج عنها أكدت أن ماكسويل هي من قدمت إبستين لماندلسون في أواخر التسعينيات خلال حفلات اجتماعية في لندن ونيويورك.
كشفت الوثائق أيضا عن تفاصيل “عشاء خاص” أقيم في منزل إبستين بنيويورك عام 2001، بحضور ماندلسون مع شخصيات من “وول ستريت”. في هذا اللقاء، بدأ إبستين ممارسة أسلوبه المعتاد في تقديم “الخدمات”، عارضا على ماندلسون استخدام طائرته الخاصة وتوفير إقامات في منازله الفاخرة لتسهيل رحلاته، وهو ما قبله ماندلسون لاحقا.
استمر التواصل بين إبستين وماندلسون حتى بعد إدانته عام 2008 باستدراج واستغلال قاصرات في الدعارة، وهذا الجزء من علاقة الرجلين هو الذي لاحق ماندلسون فيما بعد. تظهر رسائل البريد الإلكتروني المفرج عنها أن ماندلسون أثناء شغله منصب وزير الأعمال والرجل الثاني فعليا في حكومة غوردون براون في يونيو/حزيران 2009، أرسل لإبستين مذكرة داخلية كانت موجهة لرئيس الوزراء، تتضمن خططا لبيع أصول حكومية بقيمة 20 مليار جنيه إسترليني (نحو 32.8 مليار دولار) لسد عجز الموازنة.
ناقشت الرسائل أيضا “ضريبة مكافآت المصرفيين” وهي ضريبة ضخمة فرضتها لندن آنذاك على دخول موظفي البنوك، حيث طمأن ماندلسون إبستين بأنه يحاول “تخفيف” هذه الضرائب، بل واقترح أن يقوم مدير بنك “جي بي مورغان” بـ “تهديد خفيف” لوزير الخزانة البريطاني آنذاك أليستر دارلينغ لثنيه عن القرار. هذه المعلومات التي يعتبرها المحللون “معلومات داخلية” هي الكنز الذي يسعى له أي لاعب في مجال المال والاستثمار.
على الناحية المقابلة، بصفته وزيراً للأعمال طلب ماندلسون من إبستين مساعدته في التقرب من جيس ستالي، وكان وقتها رئيساً للاستثمار في بنك “جي بي مورغان”، لدفع البنك لتولي دور في مشروع استثماري في مجال التعدين. وبعد خسارة حزب العمال في انتخابات 2010 وخروج ماندلسون من الحكومة، طلب ماندلسون من إبستين المساعدة في الحصول على وظيفة “عالية الأجر” في إحدى الشركات كبرى مثل “بريتيش بتروليوم”.
الأسلوب الذي استخدمه إبستين مع ماندلسون، هو ذاته الذي نفسه في بناء علاقته مع الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، وتلك حلقة من الأكثر تعقيدا في شبكة نفوذ إبستين. دخل إبستين دائرة كلينتون في التسعينات من خلال مساهماته المالية للحزب الديمقراطي، حيث تذكر تقارير أن إبستين زار البيت الأبيض عدة مرات بين عامي 1993 و1995، بدعوة من مساعدين للرئيس أو كجزء من فعاليات للمتبرعين.
بيل كلينتون (وسط) وعلى يمينه جيفري إبستين (شترستوك)
توطدت العلاقة بين الرجلين بعد خروج كلينتون من البيت الأبيض في عام 2001، حيث قدم إبستين في عام 2006 تبرعاً لمؤسسة كلينتون بقيمة 25 ألف دولار، وساعد في ربط المؤسسة بمتبرعين آخرين من أصحاب الثروات الكبيرة في نيويورك. ووفقاً لسجلات رحلات الطيران استخدم كلينتون طائرة إبستين الخاصة، المعروفة بـ “لوليتا إكسبريس” في عدد من الرحلات الدولية والمحلية في الفترة 2002 و2003.
وقد حصل إبستين في مقابل هذه الخدمات على وجاهة اجتماعية، وسائر مميزات الانتماء إلى دائرة رئيس أمريكي سابق بكل ما يأتي وراء ذلك من نفوذ وفتح أبواب للعلاقات. وبرغم ما يبدو من أن علاقة كلينتون بإبستين انقطعت في 2005 مع انتشار الأخبار عن تحقيقات بخصوص إبستين في فلوريدا، وفقاً لما ذكره كلينتون في مذكراته، إلا أن إبستين استمر في الاستفادة من هذه العلاقة، فالعلاقة مع شخصية بوزن رئيس الولايات المتحدة السابق ليست مجرد صداقة تنتهي بقطع الاتصال، بل هي استثمار في السمعة يظل يدرّ أرباحاً لسنوات طويلة بعد توقف اللقاءات المباشرة.
وكدليل على ذلك، استمر إبستين في استخدام رواياته ورحلاته القديمة مع كلينتون حتى بعد إدانته الأولى في عام 2008 كوسيلة لإيهام ضحايا جدد أو شركاء أعمال. كان لسان حاله يقول: “إذا كان البيت الأبيض قد وثق بي، فمن أنتم لتشككوا فيّ؟”، كما أن إبستين استغل علاقته السابقة بكلينتون في بناء علاقات مع رجال كلينتون مثل لاري سامرز، وزير الخزانة في عهد كلينتون ورئيس جامعة هارفارد الأسبق.
بالمثل، امتلك إبستين علاقة وثيقة مع دونالد ترمب (رئيس الولايات المتحدة الحالي) تعود إلى مطلع التسعينيات. وقتها، كان ترمب لا يزال مطورًا عقاريًا ثريًا، وإبستين، مدير صندوق تحوط، يترددان على نفس الأوساط الاجتماعية الراقية في مانهاتن وبالم بيتش، ويلعبان الغولف معا في منتج مارالاغو المملوك لترمب. وفيما بين عامي 1993 – 1997، سافر ترمب سبع مرات على الأقل على متن إحدى طائرات إبستين الخاصة، دون أن تتجه أي من الرحلات المسجلة إلى جزيرة إبستين الخاصة في الكاريبي.
وفي مقابلةٍ نُشرت عام 2002 في مجلة نيويورك، وصف ترمب إبستين بأنه “رجلٌ رائع” ما يُظهر معرفةً سابقةً بينهما. غير أنه بحلول منتصف ذلك العقد نشب خلاف بين ترمب وإبستين، لأسباب غامضة، وقد صرّح ترمب مؤخرا أن الخلاف بدأ عندما “أخذ إبستين أشخاصًا كانوا يعملون لديه” في منتجع مارالاغو، فيما تُشير روايات أخرى إلى حرب مزايدة نشبت بين الرجلين عام 2004 حول قصر في بالم بيتش.
على كل حال انتهت علاقات إبستين مع ترمب قبل فترة طويلة من الصعود السياسي للأخير، لذا فإنه لم ينجح في الاستفادة منه أسوة بما فعل مع كلينتون. لكن علاقاته مع الطبقة السياسية الأميريكية تجاوزت الرئيسيين نحو عشرات الأسماء الأخرى، مثل بيل ريتشاردسون (حاكم ولاية نيو مكسيكو السابق -ديمقراطي) الذي ورد اسمه في وثائق محكمةٍ رُفعت عنها السرية، حيث أشارت إحدى الضحايا أن ماكسويل وجهتها لممارسة الجنس معه، وهناك وزير التجارة الحالي هوارد لوتنيك الذي دعي إلى جزيرة إبستين في ديسمبر/كانون الأول 2012، وسبق أن التقى معه في مناسبة أخرى عام 2011، كما تبادلا مجموعة من رسائل البريد الإلكتروني.
وإذا كانت الأسماء السابقة تثير الفضول، فإن الغوص في الوثائق يكشف عن بُعد آخر أكثر خطورة يمس العصب الحي للعالم العربي، وتحديدا القضية الفلسطينية. فبينما كان العالم يتابع جولات المفاوضات المتعثرة، تكشف الوثائق أن الوسطاء الذين اؤتمنوا على ملف السلام في الشرق الأوسط كانوا غارقين حتى آذانهم في مستنقع إبستين، مما يطرح تساؤلات مرعبة حول استقلاليتهم ونزاهة القرارات التي صاغت مصير المنطقة لعقود.
يبرز هنا اسم الدبلوماسي النرويجي تيريه رود-لارسن، الذي يُعرف بصفته “مهندس اتفاقيات أوسلو” عام 1993 والذي وصفه إبستين في مناسبات عدة بـ “أعز أصدقائه”. وتتجاوز الوثائق حدود الصداقة لتكشف عن تعاملات مالية مريبة، إذ حصل لارسن على قرض بقيمة 130 ألف دولار من إبستين عام 2013، وتلا ذلك دفعة غامضة بقيمة 250 ألف دولار عام 2015. لكن الصدمة الحقيقية تكمن في وصية إبستين التي عدّلها قبل يومين فقط من وفاته في زنزانته عام 2019، حيث أوصى بمبلغ 5 ملايين دولارات لكل من طفلي لارسن وزوجته الدبلوماسية الرفيعة مونا يول، التي تخضع وزوجها حاليا لتحقيقات بتهم فساد في النرويج. التساؤل عن هذا “الكرم” تساؤل منطقي، خاصة إذا كان يُشتبه في كونه ثمنا لخدمات سياسية ودبلوماسية قُدمت في الخفاء لصالح الأطراف التي يخدمها إبستين.
وبالتوازي، يظهر اسم السيناتور الأمريكي الأسبق جورج ميتشل، الذي شغل منصب المبعوث الأمريكي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط (2009-2011) بتكليف من الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما. يرد اسم ميتشل أكثر من 300 مرة في سجلات إبستين، وتؤكد الوثائق عقد لقاءات مكثفة بينهما في الفترة من 2010 إلى 2013، وهي الفترة التي تتداخل جوهريا مع مهمته في المنطقة كمبعوث ووسيط بين العرب والإسرائيليين. الأدهى من ذلك، أن فيرجينيا جوفري، إحدى أبرز الضحايا، ذكرت في إفادتها القضائية أنها أُجبرت على ممارسة الجنس معه. ورغم نفي ميتشل القاطع واستقالته اللاحقة من المعهد الذي يحمل اسمه، فإن مجرد وجود وسيط السلام في قلب شبكة إبستين يشير بأصابع الاتهام إلى المنظومة بأكملها.